الشيخ محمد رشيد رضا
267
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أنه قال « اءوا يس عند موتاكم » وهذا يحتمل أن يراد به اءتها على المحتضر عند موته مثل قوله « لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه » ويحتمل أن يراد به الاءة عند القبر والأول أظهر لوجوه ( أحدها ) انه نظير قوله « لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه » ( الثاني ) انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله ( يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) فيستبشر الروح بذلك فيحب لقاء اللّه فيحب اللّه لقاءه فان هذه السورة قلب الآن ولها خاصية عجيبة في اءتها عند المحتضر وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي قال كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو في السياق وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال ( يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) وقضى ( الثالث ) ان هذا عمل الناس وعادتهم قديما وحديثا يءون يس عند المحتضر ( الرابع ) ان الصحابة لو فهموا من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « اءوا يس عند موتاكم » اءتها عند القبر لما أخلوا به وكان ذلك أمرا معتادا مشهورا بينهم ( الخامس ) ان انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند اءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود وأما اءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك لان الثواب إما بالاءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت اه أقول هذا التحقيق كاف في بابه ولا ينافيه ما ذكره قبله في اءة فاتحة البة وخاتمتها عند رأس الميت عند دفنه - وهو أثر مروي عن ابن عمر ( رض ) انه أوصى به - فإنه في معنى تلقين التوحيد قبل الموت وهو صحيح والتلقين بعد الدفن والحديث فيه ضعيف ، وإلا فهو باطل ، وقد انفرد بروايته مبشر الحلبي عن عبد الرحمن ان العلاء اللجلاج ولم يرو عن عبد الرحمن أحد غير مبشر هذا وغاية ما قالوا فيه انه مقبول وليس له في دواوين السنة غير حديث واحد عند الترمذي . والصواب انه لا ينقض قول الإمام أحمد ان الاءة عند القبر بدعة وانما يخصص عمومه بورود الاءة عن بعضهم عند دفن الميت فقط على ما فيه من الشذوذ ومما ذكرناه يعلم سبب اختلاف الحنابلة في المسألة . قال ابن مفلح في كتاب الفروع : ( فصل ) لا تكره الاءة على القبر وفي المقبرة نص عليه ، اختاره أبو بكر والقاضي وجماعة وهو المذهب ( خلافا للشافعي ) وعليه العمل عند مشايخ الحنفية ، فقيل تباح وقيل تستحب ، قال ابن تميم نص عليه كالسلام